أطفال الغزيين المعتقلين: معاناة يومية مع فقد معلَّق

غزة | «ماما لا تروحي، ماما ما تسبيني، بخاف يقصفوك اليهود وما ترجعي مثل بابا»؛ يردّد الطفل عبد الرحمن حسنين هذه العبارة باكياً، كلما أرادت والدته الخروج لتوفير احتياجات ابنها وبيتها. تقول والدة الطفل ذي الخمسة أعوام، إن عبد الرحمن يفتقد والده كثيراً ولا يتوانى لحظة واحدة عن السؤال عنه وعن موعد رجوعه رغم فقدان أخباره منذ ما يقارب العام. وتضيف، في حديثها إلى «الأخبار»، أن أول ما ينطق به فور استيقاظه من النوم هو أنه رأى والده في المنام، «ثم يبدأ الحديث عن مشاعره اتجاه والده: يا ماما والله اشتقت لبابا طوّل كتير، بس يرجع بدي أحطه في عيني، في قلبي». وتؤكد أن غياب والده أثر على سلوكه بشكل كبير؛ إذ «أصبح عنيداً، وعنيفاً، وإذا ما رأى طفلاً من العائلة أو في الشارع ينادي على والده، تتغير ملامح وجهه وينزوي بنفسه بعيداً عن المحيط الذي نكون فيه»، مشيرةً إلى أنها في تلك اللحظة تزيد من الاهتمام به وتلبية كل طلباته.
ولا يختلف حال الطفلة ريم أشرف (7 أعوام) عن حال عبد الرحمن. إذ تقول والدتها عبير غراب:«تلتصق بي طوال الوقت وترفض تركي ولو للحظة واحدة، خوفاً من أن يحدث لي مكروه وتفقدني كما تفتقد والدها». وتضيف: «عندما علمت بخبر اعتقال زوجي كدت أنفجر من الحزن والألم، خاصة أننا لم نره منذ نزحنا إلى جنوب القطاع في الأسبوع الأول من الحرب». وتستدرك بأنها سرعان ما تماسكت وكتمت حزنها خوفاً على أطفالها، لافتة إلى أنها «أخذتهم وخرجت بهم في زيارة إلى منزل زوجة عمهم. وكذلك فعلت صباح العيد، حيث طفتُ بهم على عدد من الأقارب والأصحاب، ثم ذهبت بهم إلى البحر وبقينا هناك حتى غروب الشمس، في محاولة للتخفيف عنهم وإخراجهم من حالة الحزن على اعتقال والدهم».
وفيما تعمل الأم على تخفيف وطأة الظروف التي يمر بها أبناؤها، تعدهم بـ«أنه مع انتهاء الحرب سيخرج والدهم ويعود إلينا ونراه بيننا، على العكس من أطفال الشهداء الذين لن يعودوا إلى رؤية آبائهم البتة». وحول أشد اللحظات صعوبة التي مرت عليها وأطفالها، تقول الأم إنه «يوم شاهدوا والدهم في مقطع فيديو نشره الاحتلال الإسرائيلي عندما قام باعتقاله والتحقيق معه. حينها، أجهش الجميع بالبكاء، فقد كان شعوراً صعباً أن نراه بعد خمسة أشهر بملابس السجن». وتشير إلى أن أكثر ما يخيف صغارها على والدهم في المعتقل هو «التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون»، مستدركة بأنه «رغم كل تلك الآلام والأحزان، نحن على ثقة بأن النصر قادم والفرج قريب».
الاحتلال اعتقل منذ بدأية الحرب ما يزيد عن 5280 مواطناً
وتصف طفلتها رهف (12 عاماً) حياتها بعد اعتقال والدها بـ«كأنني في حلم»، قائلة لـ«الأخبار»: «لا أصدق أن بابا معتقل وما راح نشوفه، أشتاق لرؤيته كثيراً وأحتاج إلى احتضانه والبقاء معه، فكثيراً ما أراه في المنام أنه جاء ليعيدنا إلى المنزل في غزة». وتضيف: «عندما كان يذهب للعمل ويعود، نجري ونحتضنه ونعبر عن شوقنا له، رغم أن مدة غيابه عنا لم تكن سوى سويعات، فما بالك بعام كامل لم نره أو نسمع صوته»، آملةً بأن يخرج والدها من سجون الاحتلال وتكمل حياتها برفقته. ومن جهته، يعبّر شقيقها أحمد (15 عاماً) عمّا يجول في خاطره اتجاه والده المعتقل منذ سبعة أشهر. ويقول: «أفتقد والدي كثيراً، فهو مكمن أسراري، وهو المعلم والمربي والمختص بحل المشكلات التي تواجهني، وما أكثرها في هذه الحرب». ويضيف: «كان والدي مصدر الأمان لي ولإخواني في كل الحروب السابقة، ولذلك اعتدنا صوت الصواريخ وقذائف الدبابات، ولم نعد نهتم لأمرها بتاتاً»، مضيفاً أن اعتقال والده في هذه الحرب أوقعه في مواقف «مفصلية في حياتي، صقلت شخصيتي ودفعتني إلى تحمل مسؤولية أمي وإخواني وزوجة عمي الشهيد».
أما سوزان ناصر، فتواجه صعوبة كبيرة في إخبار صغيرها يحيى باعتقال والده من قبل الاحتلال الإسرائيلي، «لأنه كان شديد التعلق به». وتقول في حديث إلى «الأخبار»: «يدرك طفلي أن الاحتلال ظالم ولا توجد لديه رحمة اتجاه بشر أو حجر، ولذلك تدرجت في مصارحته بالخبر حتى تقبله». وتضيف: «يصبر صغيري نفسه بصور والده على الهاتف المحمول، وسماع القصص والحكايات عن مواقف أبيه وبطولاته». وتستدرك بأن طفليها حينما يكونان شديدي الاشتياق لأبيهما، يعبران عن ذلك بنوبات غضب وبكاء نتيجة الفقد العاطفي، لافتة إلى أنها «في تلك اللحظة، احتضنهما وأطبطب على قلبيهما، وأذهب بهما إلى البحر أو إلى السوق فيبدلا حزنهما بشيء من الفرح». وتشير إلى أن طفلتها ألما (3 أعوام) تعبّر أحياناً عن حبها وشوقها لأبيها بالنشيد والغناء، وتقول إنها ستعود إلى غزة وستجد والدها هناك في انتظارها. وبدوره، يقول الطفل ذو الخمسة أعوام إنه يفتقد والده كثيراً، مضيفاً: «كان ياخدني معه ع المسجد والسوق ويحضني ويلعب معي. بتمنى أشوف بابا وأجري عليه وأحضنه وأقول له اشتقت لك وبحبك كتير، وحفظت جزء عمّ مشان تطلع من السجن».
وإزاء الأهوال التي يتعرّض لها الأطفال إثر فقدان آبائهم، يؤكد الدكتور راغب أبو ليلة، وهو مشرف الصحة النفسية لدى «عيادة الشيخ رضوان»، أن «فقدان الطفل للأب الذي يمثل الركن الأساسي للبيت يجعله أكثر عدوانية وشراسة وفي حالة قلق دائم». ويوضح، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «الغياب القسري للأب في ظل الأوضاع التي يعايشها الطفل في قطاع غزة من حرب وقصف وتدمير ونزوح، تزيد من الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى الأطفال الغزيين». ويبين أنه «في حال لم يجد الطفل ما يعوض فقدان والده ويخفف عنه ذلك الحرمان العاطفي، لربما تتفاقم لديه حالة القلق وتصل إلى الاكتئاب وسلوكيات عدوانية أخرى». وفي هذا الجانب، يشير إلى أنه «يجب على الأم أن تظهر لأطفالها قدراً كبيراً من الحب والعطف والحنان، لتعوضهم شيئاً مما يفتقدونه من عاطفة الأبوة». وينصح الأمهات بألا يظهرن حالات الخوف والجزع أمام أطفالهن، وأن يتسلحن بالصبر والثبات والتحمل «لأنها النموذج الذي سيقتدي به الطفل ويواجه حالة الخوف والبعد والحرمان بثبات وأمل باللقاء بعد الفراق».
والجدير ذكره، هنا، أن الاحتلال الإسرائيلي اعتقل مذ بدأت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول الماضي، ما يزيد عن 5,280 مواطناً، وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي.
